الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

190

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وهذه الدعوة الربانية تقابل ما كان سائدا في عصور الجاهلية ، كيف وكانوا يتعاملون مع اليتامى ، ولا تنفصل جاهلية اليوم عن تلك الجاهلية ، فنرى من لم يدخل الإيمان قلبه ، كيف يتوسل بمختلف الحيل والألاعيب لسرقة أموال اليتامى ، والأشد من هذا فإنهم يتركون اليتامى جانبا بلا اهتمام ولا رعاية ليعيشوا غم فقدان الآباء وبأشد صورة ! فإكرام اليتيم لا ينحصر بحفظ أموالهم - كما يقول البعض - بل يشمل حفظ الأموال وغيرها . " تحاضون " : من ( الحض ) ، وهو الترغيب ، فلا يكفي إطعام المسكين بل يجب على الناس أن يتواصوا ويحث بعضهم البعض الآخر على ذلك لتعم هذه السنة التربوية كل المجتمع ( 1 ) . وقد قرنت الآية ( 34 ) من سورة الحاقة عدم الإكرام بعدم الإيمان بالله عز وجل : إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين ( 2 ) . وتعرض الآية التالية ثالث أعمالهم القبيحة : وتأكلون التراث أكلا لما ( 3 ) . مما لا شك فيه أن الاستفادة من الميراث المشروع عمل غير مذموم ، ولذا فيمكن أن يكون المذموم في الآية أحد الأمور التالية : الأول : الجمع بين حق الإنسان وحق الآخرين في الميراث ، لأن كلمة " لم " بمعنى الجمع ، وفسرها الزمخشري في الكشاف بمعنى الجمع بين الحلال والحرام . وكانت عادة العرب في الجاهلية أن يحرموا النساء والأطفال من الإرث لاعتقادهم بأنه نصيب المقاتلين ( لأن أكثر أموالهم تأتيهم عن طريق السلب والإغارة ) .

--> 1 - " تخاضون " : في الأصل ( تتحاضون ) ، وحذفت إحدى التائين للتخفيف . 2 - " طعام " : هو في الآية ذو معنى مصدري أي : ( إطعام ) . 3 - " لم " : بمعنى الجمع ، وتأتي بمعنى الجمع مع الإصلاح أيضا .